حرية

الأحد,آذار 23, 2008


أميركا اللاتينية بين خيار الشعوب ومخالب العولمة

بقلم: مسعد عربيد (عن مجلة "كنعان" www.kanaanonline)

sunburst
"... لا يكفي أن نتمنى للضحية التوفيق، بل على المرء ان يشاركها
المصير: عليه ان يلتحم معها في موتها أو إنتصارها".

إرنستو تشى غيفارا


"... لانستطيع أن نقف مكتوفي الايدي حيال ما يحدث في
اي مكان في العالم، لان إنتصار أي بلدٍ على الامبريالية
لهو إنتصار لنا، تماماً كما أن هزيمة أي بلدٍ هي هزيمة لنا.
أن ممارسة الاممية البروليتارية ليست مجرد مهمة الشعوب
التي تناضل من أجل مستقبل أفضل، بل هي ضرورة لا
مندوحة عنها.."

إرنستو تشى غيفارا


وقع الرئيس البوليفي ايفو مورالس في العاصمة الكوبية قبل أيام (29 نيسان/ابريل 2006) إتفاقية "البديل البوليفاري لاميركا والكاريبي" (ALBA) "البا"، وتبعها بقرار تأميم مصادر الطاقة في بلاده .[1] وكان الرئيسان الفنزويلي (هوجو تشافيز) والكوبي (فيدل كاسترو) قد وقعا هذه الاتفاقية يوم 14 كانون الاول/ديسمبر 2004. ويحدو المحليين تفاؤل كبير في ان تلحق قريباً بهذه الاتفاقية كل من البيرو والمكسيك.

فما هو هذا البديل البوليفاري؟ ما هي التغييرات التي يسعى اليها؟ وكيف ينوي تحقيقها؟

يحكي تاريخ ونضال شعوب اميركا اللاتينية والعالم الثالث، في العديد من فصوله، تاريخ ونضال شعوبنا. وهو تاريخ يتنازعه مشروعان متناقضان: الاول: مشروع نهضوي يتمثل في الاستقلال والسيادة والوطنية والانطلاق نحو التنمية والازدهار والرفاه؛ والثاني: هو مشروع الاستعمار والهيمنة ونهب موارد البلاد وإستغلال الشعوب وقهرها وإحتجاز تنميتها وتعميق تخلفها.

مشروع الهيمنة

النيو ليبرالية
بدأت الاتجاهات الاقتصادية النيوليبرالية كمدرسة إقتصادية في المركز الرأسمالي (الولايات المتحدة) في سبعينات القرن الماضي متزامنة مع إشتداد الازمة البنيوية التي يجتازها النظام الراسمالي. وترتكز النيوليبرالية، فلسفياً، على الحماية القصوى للملكية الخاصة (وفي هذه الحقبة للملكية الفكرية بشكل خاص) ورفض تدخل الدولة في التخطيط أو توجيه الاقتصاد. وتقوم على حماية حقوق راس المال، وبالدرجة الاولى حقوق الشركات الكبرى متعددة الجنسية، "بتحرير" الاسواق العالمية والتحرك بحرية مطلقة بين الشعوب والبلدان وإختراق حدودها دون قيد أو شرط. وفي مقابل هذا "التحرير"، تفرض هذه السياسات كافة اشكال القيود والحواجز على حرية الافراد (الفقراء والمعدومين والمهمشين) وتحركاتهم (الهجرة من أجل العمل وكسب العيش والسفر والتنقل). والغاية من هذا كله هي الابقاء على الاجور المنخفضة وتصفية الانجازات والمكتسبات التي أحرزتها الطبقة العاملة والطبقات الشعبية عبر عقود طويلة من النضال.

تهدف النيوليبرالية، أيضاً، الى ازالة أو تقليص الخدمات التي توفرها الحكومات لشعوبها وإلغاء الضوابط التي تفرضها الحكومات على الشركات الكبرى من أجل حماية المجتمع والمستهلك، وإحلال هذه الخدمات بسلع "وخدمات" تبيعها الشركات الراسمالية الكبرى (خصخصة الخدمات الاجتماعية والموارد الطبيعية). ورغم إدعاءاتها وترويجها لقدرتها على "تخفيض النفقات الحكومية"، فان هذه النفقات ما فتأت في إزدياد مستمرعلى مدى العقود الثلاثة الاخيرة.

منطقة التجارة الحرة للاميركتين
وقعت كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك إتفاقية "نافتا" سيئة الصيت في الاول من كانون الثاني/يناير 1994 North America Free Trade Agreement (NAFTA) ، وشرعت في المحادثات حول "منطقة التجارة الحرة للامريكتين" Free Trade Area of the Americas (FTAA) ، في 11 كانون الاول/ديسمبر 1994 والتي أصبحت معروفة للملأ عام 2001. تسعى هذه الاخيرة الى "محو أو الحد من الحواجز التجارية بين شعوب الاميركتين (باستثناء كوبا وفنزويلا) "، إلاّ أن جهودها تعثرت وواجهت موجات شديدة من المعارضة الشعبية. وقد فشل إجتماعها الاخير الذي عقد في الارجنتين (يناير 2005 ) في الوصول الى أي إجماع.

تنظر شعوب القارة اللاتينية الى هذه الاتفاقيات على أنها تمثل مصالح راس المال والشركات الكبرى متعددة الجنسية ومخطط توسعي للعولمة في نصف الكرة الغربي. ولا تلبي مشاريعها وبرامجها حاجات شعوب المنطقة بل تنصاع لمصالح الشركات متعددة الجنسية وتسعى الى "التحرير" المطلق لسلع هذه الشركات وخدماتها (مثل محو أو تخفيض الجمارك، خصخصة كاملة لكافة الصناعات، إحتكار وتمركز حقوق الملكية الفكرية، التقليل من تأثير القيود التي تفرضها قوانين العمل وحماية البيئة، والحد من هجرة الفقراء الى الولايات المتحدة وكندا وغيرها من المشاريع).

أما الترجمة العملية لهذه المشاريع فتتمثل في:
ـ زيادة إستثمارات هذه الشركات التي تزيد من إستغلال العمال والفلاّحين والفقراء وتهميشهم. ـ مصادرة الاراضي من أصحابها ومزارعيها، مما أودى بمصادر عيش الملايين منهم الذين إرتحلوا الى المدن والمناطق الصناعية بحثاً عن لقمة العيش. وقد عمق هذا من فقرهم وإغترابهم عن بيئتهم الطبيعية وتهميشهم إجتماعياً. ـ تخفيض المخصصات الحكومية للخدمات الاجتماعية (الرعاية الصحية، التعليم وغيرهما). ـ تصفية الانجازات والمكتسبات التي حققها العمال والطبقات الشعبية عبر نضال مرير وطويل (فرض قوانين تلغي أو على الاقل تحد من حقوق العمال في اجور الحد الادنى، ساعات العمل، العمر الادني للعمل وغيرها). ـ الحد، وفي بعض الحالات، الغاء برامج الغذاء والاسكان للفقراء وذوي الدخل المتدني.

المشروع المناهض: البديل البوليفاري

سمات النضال في أميركا اللاتينية
sunburst تتسم هذه المرحلة باشتداد الرياح القادمة من الجنوب الاميركي وتتسارع التطورات والمتغيرات التي تنذر بفجر جديد. وهي رياح حبلى بالتغيير وإن تفاوتت من حيث مصدرها وإتجاهها وسرعتها سواء تلك التي تهب من فنزيلا وبوليفيا او الاخرى القادمة من الارجنتين والبرازيل.

يتميز النمط الجديد لنضال شعوب أميركا اللاتينية بميزتين أساسيتين: ـ دور الشعوب: يكتسب نضال هذه الشعوب ثوبا جديداً يعيد لها دورها في صياغة التغيير والامساك بمصيرها. ـ القيادة: نهوض قيادات واحزاب وبنى سياسية، من نمط جديد، تنطلق من تربتها الطبيعية وثقافتها الوطنية وتعبر عن مصالح الفقراء والمهمشين وتلتحم مع جماهيرها في نضالاتها ومعاناتها اليومية.

البديل والتجربة البوليفارية في فنزويلا
شهدت فنزويلا، منذ أن تولى هوجو تشافز رئاسة الجمهورية عام 1998، تحولاً جذرياً شمل كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فللمرة الاولى في تاريخ البلاد يتم إستثمار عائدات النفط لتأمين الخدمات الاجتماعية (الرعاية الصحية والتعليم وتوفير المياه الصالحة للشرب والمواد الغذاءة للفقراء وضمانة الامن الغذائي للمجتمع والطاقة الكهربائية) وغيرها من الخدمات الاساسية للمواطنين. [2]

تؤمن الثورة البوليفارية أن نتائج وعائدات هذا التحول (وهذه السياسات) لا تعود بالنفع على المواطنين الفنزويليين فحسب، بل على مجمل القارة اللاتينية. ويشكل هذا التضامن الاقليمي والاممي البعد الاساسي الذي يميز الرؤية الفنزويلية لمستقبل القارة اللاتينية والكاريبي: البديل البوليفاري كنقيض للنيوليبرالية وعولمة راس المال.

لم تجلب إتفاقياتNAFTA و FTAA لشعوب الاميركتين سوى المزيد من الازمات الاقتصادية والتخلف واشكال تجميلية من التنمية المحتجزة والمشوهة. ورغم إخفاقاتها وانفضاح إدعاءاتها في تخفيض الفقروالجوع والبطالة وتعثر مساعيها التوسعية في نصف الكرة الغربي الذي لم يحرز أي تقدم منذ عام 2003، ما زالت هذه الاتفاقيات تتربع على رأس أولويات الادارة الاميركية منذ عام 1994.

فما زال 43% من سكان اميركا اللاتينية يعيش تحت خط الفقر في حين يعيش خمس القارة (97 مليونيا) على أقل من دولار واحد يومياً، كما تؤوي هذه القارة ما يقارب 222 مليون جائعاً وفقيراً، و50 مليون عاطل عن العمل، 200 مليون مواطن يتعرض للموت جرّاء الامراض والاوبئة الفتّاكة، وملايين لا تحصى من الأميين.

ما هي "البا"؟ وماذا تريد؟
جاءت إتفاقية "البا" رداً على إتفاقيات نافتا NAFTA و"منطقة التجارة الحرة للاميركتين" FTAA ومجمل السياسات النيوليبرالية التي تقوم على ضمانة الربح الاقصى للشركات متعددة الجنسية والانفلات من كافة القيود والضوابط الاجتماعية والانسانية لا بل والحضارية. وعليه، جاءت "البا" للدفاع عن المواطنين وحمايتهم وأسست برامجها على الاقتصاد الموجه لبناء مجتمع أفضل وإنحازت جذريا للعدالة والمساواة الاجتماعيتين ولتوفير الرفاهية للقطاعات المحرومة في البلدان الفقيرة والمتحلفة (أغلبية المجتمع).

يمكننا إيجاز المرتكزات الرئيسية للبديل البوليفاري [3] للقارة اللاتينية "البا" بما يلي:
1) محو الفقر وكافة أشكال التهميش الاجتماعي والاقتصادي. ويمثل إيجاد آليات محو الفقر نقطة الانطلاق في البديل البوليفاري.
2) تعزيزقيم المساواة بين الناس والعدالة الاجتماعية ورفاهية الطبقات الشعبية (الاكثر قهراً في المجتمع).
3) الاقتصاد الموجه: إعتماد التعاون الاقتصادي القائم على اقتصاد موجه إجتماعياً كبديل لنقيضة المشروع الراسمالي الاميركي المتمثل في الاتفاقيات النيوليبرالية، والتأكيد بان التنمية في هذه البلدان لن تتحقق إلاّ بمحاربة هذه الاتفاقيات والسياسات الراسمالية بكافة تجلياتها وآلياتها.
4) ان مصالح شعوب القارة والكاريبي مصالح مشتركة لا تتحقق إلاّ بازالة الفوارق بين بلدان المنطقة عبر الاندماج الاقليمي. ويتحقق هذا الاندماج بالدرجة الاولى من خلال التضامن مع البدان الفقيرة والمتخلفة في نصف الكرة الغربي بهدف إعانتها على إستنهاض بنيتها التحتية.

الاعتماد الإقليمي على الذات
يقوم البديل البوليفاري من حيث المبدأ على عقد إتفاقيات اقليمية، او بين كتل من دول اميركا اللاتينية والكاريبى، لدعم النمو الاقتصادي والتنمية وإقامة التوازن بين هذه المجتمعات وإزالة الفوارق (اللاتماثل) بينها. وبعبارة اخرى شق درب جديد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية يستند الى تعزيز القطاعات الانتاجية المحلية والوطنية اي "التنمية من الداخل" كما تسميها وثائق الثورة البوليفارية (endogenous development) مثل الزراعة والصناعة على نقيض "المناطق الصناعية الحرة" أي المحتلة التي تنشأها الشركات المتعددة الجنسية والمعروفة عالمياً باسم ماكيلادورا maquiladoras والتي لا تسهم في إستنهاض القوى المنتجة (الزراعية والصناعية) في البلدان الفقيرة ولا تعالج الاسباب الجذرية للفقر وآليات محوه كما أنها لا تعمل على بناء إقتصادات حية ومستديمة. وهذا الاتجاه مأخوذ بدرجة أو أخرى من تطويرات مدرسة النظام العالمي التي تدعو الدول القريبة جغرافياً وذات الأنظمة المتقاربة فكرياً وسياسياً إلى العمل المشترك لتحقيق تنمية متوازنة فيما بينها.

"البا": الخدمات الاجتماعية حقوق وليست إمتيازات
تعتبر معظم شعوب الاميركتين (باستثناء الشعب الاميركي- شعب الولايات المتحدة) الخدمات الاجتماعية حقوقاً تضمنها دساتير هذه البلدان لمواطنيها. وتشمل هذه خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم وتوفير المياه الصالحة للشرب والمواصلات والخدمات البريدية إضافة الى قوانين العمل وحماية المستهلك وغيرها. بالاضافة الى كوبا، التي أصبحت مثال العصر في تأمين وضمانة هذه الخدمات رغم الازمات الاقتصادية والحصار الامبريالي المستديم عليها، يجدر التذكير بان الدستور الفنزويلي لعام 1999 يضمن "الديمقراطية الاقتصادية" والتي تعبر عن جوانب اساسية في حماية هذه الحقوق.

تتناقض هذه المفاهيم جذرياً مع نمط العولمة الراسمالية التي تسعى لاحتجاز تطور وتنمية الشعوب الفقيرة عبر الهيمنة الاقتصادية وتقليص الديمقراطية وخصخصة القطاع العام وخدماته وهجومها المتواصل على الطبقة العاملة ومكتسباتها. وقد سقطت الخدمات الاجتماعية ضحية الجشع الراسمالي وتحت رحمة بنود اتفاقية FTAA. وهكذا استطاعت الشركات الكبرى، بعد أن دمرت القطاع العام وخصخصت خدماته، تحويل مواطني تلك البلدان الى حشود من ملايين المستهلكين بغية جرهم للانزلاق في نمط وثقافة الاستهلاك الراسمالي الاميركي والذي يجعل من شعوب العالم مصدراً مستديماً للشراء والاستهلاك والربح.

تقف "البا"، اذن، على نقيض من السياسات النيوليبرالية والخصخصة وإزالة الضوابط على القطاعات الزراعية والصناعية ورفع والقيود عن الشركات الكبرى (ما يسمى زوراً بتحرير التجارة) والتي تهدف في محصلتها النهائية الى الحد من التخطيط الاقتصادي وحرمان المواطنين من الخدمات الاجتماعية الاساسية. بل تؤكد على مسؤولية الدولة في توفير الحاجات الاساسية للمواطنين وترفض مبدأ الربح على حسابها. وفضلاً عن كونه مبدأ أساسياً، فان دور الدولة هذا يشكل آلية فعّالة في تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعيتين وإزالة أسباب الظلم والاستغلال والفوارق الاجتماعية. وإستناداً الى هذا المبدأ، ترفض "البا" أية إتفاقيات تجارية من شأنها ان تحد من أو تقلص الخدمات والموارد العامة أو رفع اسعار هذه الخدمات (سعياً وراء الربح) وتصر على توفير هذه الخدمات باسعار زهيدة، حتى ولو تطلّب ذلك تدخل الدولة ومشاركتها في تغطية التكلفة أو جزء منها، لضمانة وصولها الى المواطنين او على الاقل للاغلبية الساحقة من المجتمع التي لا تملك القدرة على شرائها باسعار مرتفعة.

الزراعة: الغذاء قبل الربح
يشكل قطاع الزراعة أولوية في مشاريع "ألبا" لانه يتيح لكل بلد أن يوفر لمواطنيه الاكتفاء الذاتي في الغذاء تجسيداً لمبدأ "الغذاء قبل الربح" الذي يعتبر الغذاء حاجة انسانية اساسية لا يمكن ولا يجوز إخضاعها لقوانين الربح وضوابط السوق الرأسمالي. وعليه، ترى "ألبا" ان دور الزراعة الاساسي هو تأمين الغذاء للمواطنين وليس التصدير او الربح. وتقوم سياساتها في مجال الاستيراد، على سبيل المثال، على اولية توفير الغذاء والاكتفاء الذاتي ورفض مبدأ الربح الفوري الذي يكون عادة على حساب الفقراء وتجويعهم.

وبالاضافة الى توفير الغذاء، فان مشاريع "ألبا" تسهم في إنقاذ القطاع الزراعي من مخالب الدول الغنية وسياساتها في "تحرير السوق" والهادفة، بالطبع، لتحقيق الارباح الطائلة على حساب اشد الشعوب فقراً متسببة في تجويعهم اولاً، وفي ترحيل المزارعين والسكان الاصلانيين عن اراضيهم وبيئتهم الطبيعية بحثاً عن لقمة العيش مما يؤدي الى إفقارهم وتهميشهم وتجويعهم.[4] فاذا كان من حق الدول الكبرى والغنية ان تقدم المعونات والمخصصات الحكومية الهائلة للقطاع الزراعي في بلدانها من أجل إنقاذه وإبقائه على الحياة، فلماذا لا تقوم البدان النامية والفقيرة بالامر ذاته؟

التنمية والتشغيل
كي يتسنى لها تثبيت وتوسيع دور وهيمنة راس المال الاجنبي على الاقتصادات المحلية، تسعى السياسات النيوليبرالية لتقليص دور الدولة في صياغة السياسات والخدمات العامة. وعلى النقيض من ذلك، تتوجه "ألبا" نحو تعزيز التنمية الاقتصادية عبر استخدام ايرادات الدولة وعائداتها (من ضرائب وجمارك وغيرها) لتشجيع الصناعات الناشئة ومحاربة البطالة بتشغيل المزيد من العمال. وهي وسائل إستخدمتها العديد من الدول (بما فيها الرأسمالية مثل الولايات المتحدة) لعقود طويلة في بناء إقتصادها الوطني. فعلى سبيل المثال، تستثمر فزويلا عائدات النفط في إقامة مشاريع وطنية لانعاش الصناعات المحلية وتنوعها للايفاء بحاجات المجتمع والتخلص من الاعتماد، ولو جزئياً، عن النفط. وكان من نتائج هذه السياسات أن دفعت بفنزويلا الى اولى دول اميركا اللاتينية من حيث معدل النمو الاقتصادي. وبشكل موازٍ تعمل فنزويلا على توسيع تبادلها التجاري مع دول اميركا اللاتينية للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة كأكبر "شريك تجاري".

ترفض "ألبا" أساليب التشغيل على نمط "مناطق التجارة الحرة" maquiladoras التي شاعت في البلدان الفقيرة والتي لا تمثل إلا أشكالاً رأسمالية مبتكرة لإستغلال العمال الملونين الفقراء. وعليه، تشجع "ألبا" اقامة مشاريع تشغيلية محلية (وطنية) زراعية وصناعية بحيث تبقى الارباح في البلاد ويعاد إستثمارها في التنمية المحلية بدل تسربها الى الشركات المتعددة الجنسية وتكدسها في البنوك والمؤسسات الراسمالية الغربية.

الاندماج الاقليمي والبعد الاممي
ينطلق البديل البوليفاري ورؤية الثورة البوليفارية في فنزويللا في الاندماج الاقليمي والاممي من كتابات وأفكار سيمون بوليفار. وترتكز هذه الرؤية في أدبيات "ألبا"، من حيث الجوهر، على المبادئ التالية:
1) أن مصالح شعوب اميركا اللاتينية تكمن في الاندماج الاقليمي لاقتصادات تلك القارة كدرب للتنمية ووسيلة لتحطيم هيمنة الشركات متعددة الجنسية والتحرر من أغلال الهيمنة الامبريالية والعولمة. [5]
2) التضامن والتكامل بين الشعوب بدلاً عن الهيمنة، والتعاول بدل الاستغلال.[6].
3) إحترام السيادة الوطنية وإنهاء هيمنة الشركات متعددة الجنسية، أدوات المركز الراسمالي ـ الامبريالي الغربي.
4) لا يتحقق هذا إلاّ بالمشاركة الايجابية والفعّاله للمواطنين والمنظمات الشعبية فهم صانعو السياسة ومنفذوها والمنتفعون منها في آن واحد.
5) تحدي المرتكزات الاساسية للاتفاقيات والسياسات النيوليبرالية وطرح مشروع بديل مناهض لمشروع العولمة الراسمالي. وهكذا يقف البديل البوليفاري "ألبا"، على النقيض من البديل العولمي FTAA لانه يشترط محو الفقر والتهميش الاجتماعي كأولوية تسبق قضايا "حقوق الانسان والنوع وتعزيز الديمقراطية وحماية البيئة" وما شابه من القضايا التي يشغلون بها شعوب المنطقة ويفتتون جهودهم عبر إدعاءات العولمة وآلياتها من منظمات غير حكومة تأتي من الغرب الرأسمالي لتغرق العالم الثالث في بحر من الفساد والاغتراب كي تنصاع شعوبه في المحصلة النهائية لإملاءات المؤسسات المالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما.

الاندماج الاقليمي: تحالف شعوب الجنوب
يشكل التضامن والتحالف بين دول الجنوب والقضاء على الهيمنة الاقتصادية الاميركية في نصف الكرة الغربي، أحد المرتكزات الاساسية في البديل البوليفاري. وتقدم فنزويلا في هذا المجال برامج ومشاريع نوعية تهدف الى دمج الاقتصادات الاقليمية لتحل محل مشروع العولمة المأزوم والفاشل. وتقوم العلاقات بين الشعوب على توفير الفرصة لعلاقات تكون كافة الاطراف فيها رابحةً، وعلى مبادئ الاكتفاء الذاتي وتبادل المنفعة بدلاً عن المزاحمة والمضاربة.

تكمن الأولوية في التضامن مع الدول غير المتطورة والأكثر فقراً في نصف الكرة الغربي (هاييتي وبوليفيا على سبيل المثال) لخلق "مناطق تجارة حرة" تستفيد منها كل البلدان بحيث يكون الكل رابحاً، وعونها على تجاوز الهوة التي تفصل بينها وبين الدول الاكثر تطوراً في القارة الاميركية. ويتطلب هذا: ـ تغيير شروط التبادل التجاري وتكريس التعاون بدل المزاحمة؛
ـ وتشجيع التضامن بين الشعوب والحكومات بشكل يتلازم مع تصحيح هذه الفوارق


إزالة المعوقات

كما هو حال القطريات العربية في ظل سياسات العولمة وهيمنة الشركات متعددة الجنسية، فقد إستعصى الاندماج الاقليمي لبلدان أميركا اللاتينية لعقود طويلة وأصبح ضرباً من المحال رغم الكفاح الطويل لتحقيقه.

وترى "ألبا" أن المعوقات الاساسية التي تحول دون تحقيق هذا الاندماج، تتمحور أساساً في التفاوتات الهائلة والهوة العميقة بين بلدان نصف الكرة الغربي (شماله ووسطه وجنوبه) حيث تقف دول فقيرة (مثل هاييتي وبوليفيا وغيرهما) لتنافس أقوى الاقتصادات الراسمالية وأعتى الامبرياليات في العالم. تلك هي أولى المعوقات، وهنا تكون نقطة البداية في تصحيح هذه الاوضاع المختلة. وعليه تتمثل المهمة الملحة في:

1) أن تقوم شعوب المنطقة بصياغة رؤيتها الجماعية والمشتركة للمعايير التي تحدد أسباب هذا التفاوت المفجع وحالة انعدام التوازن المتفاقمة بين مجتمعاتها.
2) تقديم تعريف واضح ل"الاقتصاد الصغير" إستناداً الى معايير إقتصادية معينة يتم الاتفاق عليها (مثل عدد السكان، الموارد، القدرة الانتاجية، الاستيرادات، مستوى التنمية الصناعية، دخل الفرد، مستويات الفقر وغيرها). وعلى أساس تلك المعايير يجري تخطيط وتوجيه موارد كل بلد نحو القطاعات الانتاجية الملائمة.
3) تحديد الاقتصادات الاكثر ضعفاً والبلدان التي تعاني من نقص في الحاجات الاساسية.
4) توجيه موارد هذه البلدان، وعلى أساس التضامن بين شعوب المنطقة، نحو تطوير بنيتها التحتية كضمانة وحيدة لدخولها في المفاوضات والتعاقدات التجارية مع الدول الغنية وشركاتها الكبرى بشروط أفضل، او على الاقل تحسين هذه الشروط.
5) العمل على إيجاد "مناطق تجارية حرة" يستفيد منها كافة أعضاء المنظومة وتساهم في مزاحمة منتوجات الدول الغنية.
6) تتبين هنا الحاجة الملحة ل "صندوق" تشترك فيه كافة الشعوب ويصبح حجر الاساس في مشاريع "ألبا" ويوفر بديلاً عن المؤسسات المالية الرأسمالية في التمويل ومنح القروض والدعم المالي للبلدان الاضعف اقتصادياً. وهكذا، أسست "البا" "صندوق التعويض للتقارب البنيوي" (Compensatory Fund for Structural Convergence) لاغلاق الفجوات وردم الهوَّة، بين بُنى البلدان الأعضاء. ويشكل هذا الصندوق الآلية الاساسية للتعاون الاقليمي وتقديم العون للبلدان الفقيرة وإعادة توزيع الثروة بين دول القارة اللاتينية.

السيادة الوطنية

لحماية الاستقلال والسيادة الوطنية، والحد من تغلغل الشركات الراسمالية الكبرى وهيمنتها على الاقتصادات المحلية، تؤكد "ألبا" على أمرين أساسيين:

أولاً: منح الشركات المتعددة الجنسية ذات الامتيازات والتسهيلات (الافضلية) التي تتمتع بها الشركات المحلية (الوطنية) بغض النظر عن حجم الشركات الكبرى؛
ثانياً: عدم منح الشركات الاجنبية الجديدة اية إمتيازات أو تسهيلات اقل من الشركات الاجنبية التي تعمل راهناً في تلك البلدان.

حق حماية الملكية الفكرية

بدايةً لا بد من التنويه بان الاتفاقيات التي تنظم وتضبط حقوق الملكية الفكرية والعلمية، والتي سنتها دول الغرب الراسمالي والشركات الكبرى، لا تعترف بالكم المعرفي الهائل والخبرات التي تختزنها شعوب الاميركتين منذ قرون مديدة، كما انها لا تعترف بحق هذه الشعوب في استخدام خبراتها ومواردها الطبيعية. وفي هذا السياق، تحرم هذه الاتفاقيات والقوانين الشعوب الفقيرة والسكان الاصلانيين في القارة اللاتنية [7] من استخدام هذه المعارف والخبرات والموارد في إنتاج حاجاتها، رغم وفرة معرفتها وخبراتها العريقة في الطبيعة والبيئة والنباتات والكائنات الحية، تلك الخبرات التي تراكمت عبر التفاعل والتعايش المشترك لقرون طويلة.

وعلى أساس هذه القوانين والاتفاقيات، ومن خلال إحتكارها للعلم والمعرفة والتطورات العلمية والطبية والتكنولوجية، أخذت الشركات الكبرى بنهب معارف وخبرات وموارد شعوب الجنوب، مجاناً أو بكلفة زهيدة، وإستخدامها (الاعشاب والبذور على سبيل المثال) في تصنيع منتوجاتها وسلعها (العقاقير الطبية وغيرها) وبيعها للشعوب الفقيرة وفي الاسواق العالمية باسعار باهظة وارباح طائلة. [8] وقد ألحق هذا اضرارً فادحة بدول الجنوب وعمق الفوارق بين الشعوب والدول وخصوصاً في المجالات العلمية والطبية التي تحتاجها هذه الدول والتي هي بأمس الحاجة لها. وقد وصف الكثير من المحللين قوانين الملكية الفكرية بانها "البعد الاكثر ديناميكية في عملية تركيز القوى وتعميق عدم المساواة التي تميز إتجاهات الهيمنة الراهنة في حقبة العولمة".

تؤكد "ألبا"، في المقابل، على حق الشعوب والحكومات في مناهضة الخصخصة ومقاومة السياسات المنفلتة، دون ضوابط أو رقابة، في مجال حقوق الملكية الفكرية والعلمية تلك الحقوق التي تصطدم مع قدرة الحكومات على توفير الخدمات الاجتماعية الضرورية لشعوبها ( توفير العقاقير باسعار منخفضة كمثال). وتولي "ألبا" مسألة العقاقير أهمية خاصة لكونها المثال الصارخ على وحشية وهمجية شركات الادوية الكبرى التي تصر على بيع الادوية للشعوب الفقيرة باسعار باهظة لا تملك هذه الشعوب ولا حكوماتها أصلاً القدرة على دفعها مما يؤدي الى حرمانها من العلاج واستفحال الامراض والموت من جرّائها. (نستحضر هنا مثال بيع عقاقير مرض الايدز للشعوب الافريقية الفقيرة حيث أصرت الشركات الكبرى، وأغلبها شركات أميركية، على أسعار لا تقوى إقتصادات القارة السمراء على دفعها).

لهذه الاسباب مجتمعةً، تقف "ألبا" ضد "حق حماية الملكية الفكرية"، كما يعرّفه ويحتكره الغرب الرأسمالي، وكما تحدد معاييره دول الشمال الغنية والمتقدمة تكنولوجياً.

خاتمة

لم تتوقف القارة اللاتينية على مدى خمسة قرون عن النضال من أجل الحرية والاستقلال، ولم تكل جماهيرها عن العطاء من أجل الوحدة والتضامن بين شعوبها منذ أن أطلق سيمون بوليفار صيحته قبل أكثر من مائتي عام. ثم جاء إرنستو تشي غيفارا منذ خمسة عقود باحثاً عن انسانية جديدة، ومكملاً المسيرة نحو عولمة التضامن بين الشعوب وتوحيد اميركا اللاتينية pan-americanismo الى أن إغتالته يد اليانكي الامبريالي على تراب بوليفيا. وها قد حانت اللحظة التاريخية لتجسد رؤيته الاممية التي سبقت الزمن وتعدت حدود المكان:

" لابد أن يكون الامر واضحاً وضوحاً بلّورياً، ان الهيمنة على أقتصاد بلدٍ بواسطة رأس المال الاحنبي، وتدهور شروط التبادل التجاري، وهيمنة بلدٍ على إسواق بلدٍ آخر، إضافة الى العلاقات القائمة على التمييز، وإستخدام القوة كوسيلة للاقناع، كل هذه تشكل أخطاراً على التجارة والسلام العالميين." (إرنستو تشى غيفارا في خطاب: " لنوقف فلسفة النهب"، مؤتمر الامم المتحدة حول التجارة، 25 آذار (مارس) 1964).


الملاحظات

1      حفاظا على الطابع الاصلي لهذه الاتفاقية، نستخدم في هذه المقالة، الحروف الاولى من أسمها بالاسبانية (ألبا): Alternativa Bolivariana par la America y El Caribe (ALBA)،
اما الاسم بالانكليزية فهو The Bolivarian Alternative for Latin America and the Caribbean

2      للاستفاضة في التجربة الفنزويلية، يمكن مطالعة مقالة مايكل أ ليبوفتز: " بناء الشراكة الإدارية في فنزويللا: تناقضات على طول المسيرة"، مجلة "كنعان" الفصلية، العدد 125، نيسان (ابريل) 2006

3      سمي هذا البديل بالبوليفاري نسبة للبطل الوطني لشعوب أميركا اللاتينية سيمون بوليفار. ولد بوليفار، المعروف في اميركا اللاتينية بلقب المحرر El Liberatador، في كاراكاس ـ فنزويلا يوم 24 تموز/ يوليو 1783. قضى حياته في نضال لا يعرف الكلل وشارك في معارك وحروب عديدة من أجل تحرير بلاده وبلدان أميركا اللاتينية من الاستعمار الاسباني. تميز بدعوته لوحدة شعوب القارة اللاتينية ومشاركتها في النضال من أجل تحرير بلدان القارة. إنتصر بوليفار على قوات المحتل الاسباني في العديد من المعارك والحروب وحرر أجزاءً كبيرة من أميركا الجنوبية. وفي عام 1819 أعلن عن تأسيس فيدرالية "كولومبيا الكبرى" والتي شملت آنذاك فنزويلا وكولومبيا وبنما والاكوادور وبايعته شعوب هذه البلدان رئيساً لها. وصل عام 1823 الى البيرو على رأس قوة عسكرية بتنسيق مسبق مع زعماء الثورة هناك، وأوقعوا الهزيمة بآخر معاقل الجيش الاسباني عام 1824 في معركة حاسمة قضت على الوجود الاستعماري الاسباني في الجزء الجنوبي لاميركا اللاتينية. وإحتفاءً بزعامته وإنتصاراته، دعى قادة الثورة في بيرو الى اقامة "جمهورية بوليفيا" على جزءٍ من البلاد والتي إتخذت إسمها من بوليفار تخليداً لهذا البطل. هكذا ولدت دولة بوليفيا كما نعرفها اليوم. وافته المنية مصاباً بداء السل يوم 17 كانون الاول/ديسمبر 1830.

4      نقيضا للسياسات النيوليبرالية ونصائح خبراء البنك الدولي، ركزت فنزويلا، على قطاع الزراعة ووجدت فيه عاملاً هاماً وفعّالاً لاخراج البلاد من الاعتماد على النفط والانطلاق نحو المهمة الملحة والراهنة: تأمين الغذاء وإستقراره.

5      قد تتشابه هذه الرؤية، على الاقل من حيث البعد الاقليمي وتداعياته، مع السوق الاوروبية المشتركة (الاسم القديم للاتحاد الاوروبي) والذي يرتكز على تنظيم العلاقات وبرم الاتفاقيات لتعزيز البنية التحتية مصادر الطاقة ثم يتطور تدريجياً الى قطاعات أخرى (أقتصادية وسياسية وعسكرية) للدول الاعضاء.

6      مثال ذلك التعاون بين كوبا وفنزويللا: تبيع فنزويللا النفط لكوبا باسعار منخفضة وتسهيلات كبيرة. تدفع كوبا جزءً من ثمن النفط عبر إرسال الاطباء والمدرسين الكوبيين الى فنزويلا في حملات للرعاية الصحية ومحو الامية وغيرها، كما يتلقى آلاف الفنزويليين العلاج الطبي والعمليات الجراحية (جراحة العيون وغيرها) في كوبا. ومن المرجح ان تنضم غواتيمالا وبوليفيا والاكوادور وبنما لمثل هذه الجهود.

7      رغم خمسمائة عام من الاستعمار الاسباني والامبريالي اليانكي وكافة مجازر الابادة للاسكان الاصليين، ما زال يقطن البلدان اللاتينية ما يقار 50 مليون هندي اصلاني، وما زال هؤلاء يمثلون الاغلبية العظمى من السكان في بعض الدول تصل الى 70 – 80% كما هو الحال في غواتيمالا وبوليفيا وغيرهما.

8      تحتكر 31 شركة كبيرة 80% من الامتيازات وبراءات الإختراعات الفكرية والعلمية، كما تحتكر خمس شركات (زراعية وكيماوية) السوق العالمي للبذور. وفي خدمة هذه الشركات تقف مؤسسات راس المال من منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إضافة الى إتفاقيات NAFTA و FTAA.
<!-- text below generated by server. PLEASE REMOVE --><!-- Counter/Statistics data collection code -->